ديمَاقراطية

كتبهارشيد بوصيري ، في 26 فبراير 2008 الساعة: 23:30 م

تستورد الدول المتخلفة الإيديولوجيات كما تستورد المواد الاستهلاكية، بحيث تأتي الديمقراطية أو الليبرالية معلبة في نفس الحاويات التي يأتي فيها القمح والشاي…، وتُفْرغ الحاويات من حُمولتها الاستهلاكية كما تُفَرّغ الإيديولوجيات من حَمولتها الفكرية، ثم تُطرح السلع كلها في السوق في إطار قانون العرض والطلب، بحيث تتأثر الأسعار بشكل كبير نتيجة اختلال التوازن بين المعروض والمطلوب، فمثلا إذا كان المعروض من القمح والشاي كثيرا والطالبون قِلّة يرخص الثمن فتكون النتيجة أن تُبتذل المادتان، بنفس المنطق تُبتذل الديمقراطية ذات القيمة الكبيرة في ميزان العرض إذا كان الطالبون لها يُعَدّون على رؤوس الأصابع.

لماذا الربط بين القمح والشاي والديمقراطية؟ السبب هو أن القمح والشاي هما المادتان الأساسيتان لتسعين في المائة من المغاربة، وعندما تصبح الديمقراطية مادة أساسية لهذا الكمّ الهائل سوف يعفو الله عنهم من الخبز وأتاي وسيشبعون من خيرات بلادهم التي تصدر للخارج في حاويات مُعَقّمة لكي لا تتسرب أمراضنا إليهم.

 

هذه المقدمة لابد منها لنفهم مصدر الإشكالية، لأن تأثير السياسي على النقابي أعمق بحيث يصعب أن نتنفس الديمقراطية النقابية ونحن محرومون من أمها السياسية، لكن هذه القناعة لا ينبغي أن تمنعنا من المساهمة من أجل بناء ديمقراطية في الممارسة النقابية على الأقل من باب "ما لا يُدرَك جُلّه لا يُترَك كلُّه".

يبدأ كل نقابي مسيرته "النضالية" بالدعوة للديمقراطية من أجل التناوب السلمي على مناصب التسيير والرئاسة في النقابة، ويشتد صياحه حتى إذا التف حوله بعض المحرومين من النقابيين امتدت إليه يد التوافق النقابي التي تعده بمكان داخل الصف بشرط أن يسُدّ فمه ويفرق الجوقة، إذا كانت هذه الجوقة من الأغبياء فإن ناعقا جديدا يتسلق بها لكرسي آخر، أما إذا كانت من العقلاء فإنها لا تُلدغُ من الجحر مرتان.

مطلب الديمقراطية كسبيل لاختيار الأطر النقابية المناضلة هو المدخل الوحيد لإصلاح الجامعة الوطنية لعمال الطاقة، بسبب ما نراه من ابتذالٍ في الفعل النقابي، هذا الفعل المعتل الذي أصبح لا يستهوي الأطر المُكوّنة والصادقة، جعل الساحة فارغة فتسابق المتقاعدون عن العمل وعن الفعل وعن النضال وأصبحوا في يوم وليلة رموزا نقابية، توقع مع إدارة ماكرة ونيابة عن تسعين في المائة من العمال على ملفاتٍ لا تفقه أبعادَها ولا تتسع حويصلتها للتفريق بين ما هو استراتيجي وتكتيكي في قرارات الإدارة.

العمال، وحتى الأطر لا يسألون عن مصيرهم الاجتماعي والمهني، كل همّهم زيادة بضعة دراهم يقتنون بها مزيدا من الخبز وأتاي، أما السؤال عن حال نقابتهم وعن أشكال اتخاذ المتنفذين فيها للقرارات المصيرية فلا تكاد تجد عاملا يجرأ على ذلك.

تذكر أخي العامل كيف كان حال ممثلك النقابي قبل تحمله للمسؤولية، كيف كان يبادرك بالسلام و يسبقك بالسؤال وكنت ترى نفسك سيدا أمام شخص يريد أن يصبح لك خديما…، كيف تحول إلى فرعون صغير لا يرى العمال إلى عبيدا يتشرفون بسيادته عليهم.

إننا نحن الذين نصنع طواغيتنا، لأننا تقاعدنا عن إسماع صوتنا الذي استخدموه لما أرادوا التسلق وأعدموه لما وصلوا، ووافقناهم بسكوتنا عن تجاوزاتهم في أموالنا وأعراضنا.

اليوم هم في سباق مع الزمان لضمان كراسيهم قبل الإعلان عن تاريخ المؤتمر، وقد لا يأتي المؤتمر إذا شك الرموز أن كراسيهم مهددة، مُجرّد الشك في مصير الكرسي يُلغي محطة ً يمكن أن تحيى بها الجامعة من موات إن هي دُبّرت بشكل ديمقراطي.

نعم محطة المؤتمر هي المَخْرج الوحيد للجامعة من ورطتها بعدما عطَّل المكتب الحالي كل الأجهزة المقررة في النقابة من لجنة إدارية وغيرها، لكن ناقوس الخطر ينذر بالسوء، لأن نية التدبير الديمقراطي للمؤتمر غائبة حتى في المراحل الإعدادية له.

لا نعلم النيات لكن الوقائع تؤكد أن فُلان يرفض "تنظيم" منطقة "باء" لأن ممثليها النقابيين ذووا ولاءٍ له وإن تَنكّروا للعمال الذين انتخبوهم، وأن عِلاّن يشترط "تنظيف" منطقة "دال" لأن نقابييها لم يريدوا أن يخضعوا له ولو كانوا ذووا سمعة حسنة في صفوف العمال، إذا كان إعدادكم للمؤتمر بهذه العقلية فإن وليدكم سيخرج مُعاقًا.

لا شك أن التغيير لا ينزل دفعة واحدة، لأن جيوب المقاومة ستظل تعمل ليل نهار بإخلاص لا يباركه الله أبدا لأن الله لا يصلح عمل المفسدين.

لا شك أن الحرية لا ينعم بها من لا يسعى إليها لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

وإلى أن يكثر الطلب وتصبح الحرية مطلبا للغالبية الصامتة، ستظل الديمقراطية غير صالحة للاستعمال، وسيَنْصب المستفيدون من الوضع ميمَهَا لتصبح ديماقراطية.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات تحليليـة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر